إخوان الصفاء
167
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
له حكمة الصّانع وجلالة عظمته ، فينتبه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ، ويعلم أنه ما خلق هذه الأشياء إلّا لأمر عظيم ، وذلك قوله تعالى : « ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ » . فصل في الحث على النظر في الأرض للاعتبار اعلم يا أخي بأن من دخل الدّنيا وعاش فيها زمانا طويلا مشغولا بالأكل والشّرب والنّكاح ، دائبا في طلب الشّهوات والحرص على جمع المال والأثاث ، واتخاذ البنيان وعمارة الأرض والعقارات ، وطلب الرّئاسة متمنّيا الخلود فيها ، تاركا لطلب العلم ، غافلا عن معرفة حقائق الأشياء ، مهملا لرياضة النفس ، متوانيا في الاستعداد للرّحلة إلى الدّار الآخرة ، حتى إذا فني العمر وقرب الأجل ، وجاءت سكرة الموت التي هي مفارقة النفس الجسد ، ثمّ خرج من هذه الدّار جاهلا لم يعرف صورتها ، ولم يفكّر في الآيات التي في آفاقها ، ولا اعتبر أحوال موجوداتها ، ولا تأمّل الأمور المحسوسة التي شاهد فيها ، فمثلهم مثل قوم دخلوا إلى مدينة ملك عظيم حكيم عادل رحيم قد بناها بحكمته ، وأعدّ فيها من طرائف صنعته ما يقصّر الوصف عنها إلّا بالمشاهدة لها ، ووضع فيها مائدة قوتا للواردين إليها وزادا للرّاحلين عنها ، ثم دعا عبادا له إلى حضرته ليمنحهم بالكرامة ، وأمرهم بالورود إلى تلك المدينة في طريقهم ، لينظروا إليها ويبصروا ما فيها ، ويتفكروا في عجائب مصنوعاته ويعتبروا غرائب مصوّراته ، ليروض بها نفوسهم ، فيصيرون برؤيتها ومعرفتها حكماء أخيارا ، فضلاء ، فيصلون إلى حضرته ، ويستحقون كرامته ، فوردها قوم ليلا فباتوا طول ليلتهم مشغولين بالأكل والشّرب واللّعب واللّهو ، ثم خرجوا منها سحرا لا يدرون من أيّ باب دخلوا ، ولا من أيّها خرجوا ، ولا رأوا مما فيها شيئا من آثار